أحمد مصطفى المراغي

7

تفسير المراغي

وفي هذا تعليم حسن ، وأدب جميل ، وبعث على التيمن بالذّكرين والتبرك بهما ، والاستظهار بمكانهما ، على قبول ما يلقى إلى السامعين ، والإصغاء إليه ، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع ، ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر : هذا الأدب ، فحمدوا اللّه وصلّوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمام كل علم مفاد ، وقبل كل عظة ، وفي مفتتح كل خطبة ، وتبعهم المترسّلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن . ثم شرع يوبخ المشركين ويتهكم بهم وينبههم إلى ضلالهم وجهلهم ، إذ آثروا عبادة الأصنام على عبادة الواحد القهار فقال : ( آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ؟ ) أي آللّه الذي ذكرت لكم شؤونه العظيمة خير أم الذي تشركون به من الأصنام ؟ وفي ذلك ما لا يخفى من تسفيه آرائهم ، وتقبيح معتقداتهم ، وإلزامهم الحجة ، إذ من البين أنه ليس فيما أشركوه به سبحانه شائبة خير حتى يوازن بينها وبين ما هو محض الخير ، فهو من وادي ما حكاه سيبويه : تقول العرب : السعادة أحب إليك أم الشقاء ؟ وكما قال حسان يهجو أبا سفيان بن حرب ويمدح النبي صلى اللّه عليه وسلم : أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء و جاء في بعض الآثار « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال : بل اللّه خير وأبقى ، وأجل وأكرم » ثم انتقل من التوبيخ تعريضا إلى التبكيت تصريحا فقال : ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ) أي أعبادة ما تعبدون أيها المشركون من أوثانكم التي لا تضر ولا تنفع خير ، أم عبادة من خلق السماوات على ارتفاعها وصفائها وجعل فيها كواكب نيّرة ونجوما زاهرة ، وأفلاكا دائرة ؛ وخلق الأرض وجعل فيها جبالا وأنهارا وسهولا وأوعارا ، وفيافى وقفارا ، وزروعا وأشجارا ، وحيوانات مختلفة